كيف تغير نفسك

فقد سئم كثير من الناس حياة الغفلة والشرود والبعد عن الله تعالى . وتاقت أنفسهم إلى حياة الطهر والعفة والاستقامة ، يريدون أن يعيشوا حياة طيبة سعيدة هادئة مطمئنة ، بعيدة عن نيران الشهوات وأشواك المعاصي والمخالفات .

إنهم ينتظرون رياح التغيير ، ونسمات الإصلاح ، ووميض التوبة ، وإشراقات الاستقامة ، فيتساءلون في حيرة .

كيف نغيِّر أنفسنا ؟

كيف ننهض من كبوتنا ؟

كيف نستيقظ من غفلتنا ؟

كيف نعالج واقعنا الأليم ؟ إلى هؤلاء جميعاً أهدي هذه الكلمات ..

الـبـدايـة

أخي الحبيب ! إن مجرد تفكيرك في التغيير يعدُّ – بحدّ ذاته – نوعاً من التغيير ؛ لأن هناك فئاماً من الناس ألفوا حياة الغفلة ، واستساغوا مسيرة الضياع ، واستحسنوا طريق الشهوات ، فهم لا يبحثون عن التغيير ؛ بل لا يتصورون ترك هذه الحياة التي يعيشونها طرفة عين ، ولذلك فإنهم لا يشعرون بألم البعد عن الله ، ولا يحسون بوحشة ، وهؤلاء موتى في صورة أحياء ، لا يعرفون معروفاً ، ولا ينكرون منكراً ، إلا ما أشربوا من هواهم

أما الخطوات العملية نحو التغيير فيمكن إجمالها فيما يلي :

1- التأمل في عظم الجناية .

التفكير في التغيير لا يحصل إلا بالتأمل في عظم الجناية نتيجة الغفلة والإعراض عن الله عزَّ وجلَّ ، فيشاهد القلب من خلال هذا التأمل عظمة الرب سبحانه وتعالى وقوته وجبروته ، وأنه خالق هذا العالم العلوي والسفلي ، وأنه رازق هذه الكائنات جميعاً ، وأنه المحيي المميت الفعال لما يريد ، وأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له . ويشاهد بعد ذلك ضعف نفسه وحقارته وفقره ، وهو مع ذلك متعدٍّ حدود الله عزَّ وجلَّ ، سائر في مساخطه ، بعيدٌ عن سُبل طاعته ، والربُّ مع ذلك يستره ويرحمه ويرزقه ويحلم عليه ، ويوضح له طريق الخير ليسلكه ، وطريق الشر ليجتنبه ، وهذا التأمل ينتفع به القلب أعظم انتفاع حيث ينزعج من هذا الواقع الذي يعيشه بعيداً عن الله تعالى ، ولا يزال يضرب على صاحبه ويحثه على تغيير هذا الواقع والسير في طريق الهداية والاستقامة .

2- العزيمة الصادقة :

بعد أن يتطلع القلب إلى التغيير لابد من العزيمة الصادقة على هذا التغيير ؛ لأنه لولا هذه

العزيمة سرعان ما يفتر القلب ، ويزول عنه هذا الانزعاج ، والعزيمة هي العقد الجازم على المسير في طريق الاستقامة ، ومفارقة كل قاطع ومعوق ، ومرافقة كل معين وموصل ، فهي سبب في استمرار انزعاج القلب وانتباهه ورغبته في التغيير .

والعزيمة نوعان :

أحدهما : عزم الإنسان على سلوك الطريق وهو من البدايات .

والثاني : العزم على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها ، وعلى الانتقال من حالٍ كاملٍ إلى حالٍ أكمل منه ، وهو من النهايات ، وعون الله للعبد قدر قوة عزيمته وضعفها ، فمن صمم على إدارة الخير ؛ أعانة وثبَّته ([1]) .

([1]) رسالتان للحافظ ابن رجب ص (27) .

 

ومتى صدق العبد في عزمه على سلوك طريق الطاعة والاستمرار فيه أعانة الله– عز وجل– بـ(( البصيرة )) وهي نورٌ يقذفه الله تعالى في قلبه يرى به حقيقة الأشياء ومحاسن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومساوئ المخالفة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويتخلص بالبصيرة كذلك من الحيرة والشكِّ الذي يقطعه عن السير في طريق الهداية والاستقامة .

 

3- التوبـة : 

والتوبة هي الرجوع عمَّا يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه الله ظاهراً وباطناً ، وهي واجبة على الفور ؛ لقوله تعالى : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: من الآية31] .

والتوبة تتضمن ما يلي :

  1. الإقلاع عن جميع الذنوب في الحال .
  2. الندم على فعلها في الماضي .
  3. العزم على ألاَّ يعاود الذنب في المستقبل .
  4. العزم على فعل المأمور والتزامه في الحال والمستقبل .

فالتوبة إذن هي البداية العملية للتغيير ، ولا تصح عملية التغيير بدون توبة ، والتوبة كذلك تصاحب الإنسان في جميع مراحل حياته ، فليست خاصة بالعصاة كما يفهم بعض الناس ؛ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أطوع الخلق قال : (( يا أيها الناس ، توبوا إلى ربكم ، فوالله إني لأتوب إلى الله عزَّ وجلَّ في اليوم مائة مرة )) [ رواه مسلم ] .

4- المسارعة :

إن عملية التغيير لابد أن تسير بخطى سريعة ؛ لأن البطء يمكن أن يؤدي إلى التكاسل عن إتمام تلك العملية ، وبالتالي الانسحاب من المعركة دون تحقيق شيء من النصر .

5- الفورية :

إن التغيير من المعصية إلى الطاعة ، ومن الاعوجاج إلى الاستقامة واجب على الفور ، لا يجوز في ذلك التراخي أو الانتظار ، فمن انتبه من غفلته وأبصر ما هو عليه من ضياع ومخالفة، لابُدَّ أن يبدأ فوراً بالتغيير ، أسوة بالصديق رضي الله عنه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرض عليه دعوة الإسلام، وعرف أنه الحق، لم يتلعثم ولم يتردد، وإنما آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وشهد شهادة الحق من ساعته، وبذل نفسه وماله في سبيل الله عزَّ وجلَّ .

6- العلم :

إن عملية التغيير وهي الجانب العملي ، لابد أن يرافقها جانب علمي ، وهذا الجانب العلمي هو الذي تنضبط به عملية التغيير ، فلا تنحرف لا إلى التفريط ولا إلى الإفراط ، وإنما تسير على المنهج الوسط الذي ارتضاه الله تعالى لعباده ، قال تعالى في شأن أعظم كلمة وهي كلمة التوحيد : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد: من الآية19] .

فعلى مُريد التغيير أن يطلب العلم بكل طريقة شرعية ، فيجالس العلماء وطلاب العلم ، ويواظب على حضور الدروس العامة والخاصة ، ويكثر من المطالعة في كتب أهل العلم ، ويمكن كذلك الاستفادة من الأشرطة العلمية المسجلة ، والاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم ، كذلك متابعة مواقع أهل العلم المنتشرة عبر شبكة الإنترنت .

7- التقيد بالكتاب والسنة : على طالب التغيير أن يتقيد بالكتاب والسنة وما دار في فلكهما ، وليحذر أشد الحذر من أهل الأهواء والبدع ، فإن فتنتهم عظيمة وخطرهم كبير ، فعليه في باب الاعتقاد أن يعتقد عقيدة أهل السنة والجماعة ، وهي العقيدة الصحيحة التي لا نجاة للمرء إلا باعتقادها ، وحبَّذا لو أخذ هذه العقيدة عن أهل العلم المعروفين بالتقوى وحسن المعتقد ، فقد قال أيوب رحمه الله : إن من سعادة الحدث وأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة .

8- الجدية :

الجدية مطلب أساس لطالب التغيير ، فإن بعضاً من الملتزمين افتقدوا الجدية ، فتساهلوا في بعض القضايا ، وتميعت لديهم بعض المفاهيم ، وتنازل بعضهم عن كثير من الأمور الشرعية حتى صار الالتزام لديهم مجرد شكل دون مضمون.

9- تبديل الاهتمامات :

على طالب التغيير أن يقوم بتبديل اهتماماته وفقاً لمنهج الإسلام الذي ارتضاه ، فيترك ما كان عليه من اهتمامات باطلة ويجعل مكانها غيرها من الاهتمامات النافعة ، مثال ذلك : يترك شرب الدخان والمكسرات والمخدرات ، ويترك الممارسات المحرمة ؛ كالزنا واللواط والعادة السرية والمعاكسات بأنواعها ، ويترك سماع الغناء ومشاهد سموم القنوات ، ويترك الكبر والغرور والسخرية والاستهزاء بالآخرين وتترك المرأة التبرج والسفور وتغيير خلق الله عزَّ وجلَّ ، وتترك ترك الصلاة والتهاون بها ، وتترك مجالس الغيبة والسخرية والنميمة والكذب .

10- تغيير الصحبة :

من المتعين على طالب التغيير – وهو في بداية الطريق – أن يقطع علاقاته بأهل الفساد والغواية ؛ لأنه إن استمر معهم لم يكن صادقاً في توجهه نحو التغيير ، وحتى إن لم يشاركهم في منكرهم شاركهم في الإثم بالجلوس معهم ، والله تعالى يقول : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:67] .ويقول : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ﴾ [الفرقان:27 – 28] .

11- ترتيب الأولويات : 

على طالب التغيير أن يبدأ بأهم المهمات ، ثم الأهم فالمهم ، فيبدأ بتصحيح العقيدة ، ويقدِّم الفرائض على النوافل ، والواجبات على المستحبات ، ويعطي كل شيء حقَّه من العناية ، ويهتم بتنظيم وقته حتى لا يضيع منه شيء دون فائدة .

 

12- الاستعانة بالله عزَّ وجلَّ :    

والاستعانة بالله عزَّ وجلَّ من أهم المهمات في مرحلة التغيير ، فهي تعني الخروج من الحول والقوة وطلب الحول والقوة والمعونة من الله تعالى ، ولأهمية الاستعانة بالله عزَّ وجلَّ أمر الله عبادة أن يقولوا في كل ركعة من ركعات الصلاة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومن الاستعانة بالله عزَّ وجلَّ أن يكثر مريد التغيير من دعاء الله عزَّ وجلَّ بالتوفيق والثبات على الطريق ، واللجوء إلى الله عزَّ وجلَّ وكثرة ذكره وشكره ، وتلاوة كتابه .

13- الصبر والمجاهدة :

إن عملية التغيير ليست بالأمر اليسير ، فإنها ميلاد جديد وحياة بعد موت ، ولذلك فإنها تحتاج إلى صبر ومجاهدة ، وبهذا الصبر والمجاهدة يتبيَّن الصادق من الكاذب ، فالصادق يتجرع مرارة الصبر ، ويجاهد نفسه على طاعة الله عزَّ وجلَّ ، ولا يزال في صبر ومجاهدة حتى تألف نفسه الطاعة ، وتنفر من العصيان ، أمنا الكاذب فإنه لا يقدر على ذلك ، بل يستسلم لأول بارقة من فتنة.

عن عبدالكريم تقي الدين

شاهد أيضاً

أخي السجين تستطيع أن تكون متميزاً الجزء الأول

الحمد لله وحده ، و الصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده ، نبينا محمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *